الجهة بوست
تعيد أخبار حوادث السير بالمغرب طرح سؤال مؤلم: كيف يمكن وقف نزيف الطرق، وتحويل السلامة الطرقية من حملات ظرفية إلى حماية يومية لأرواح المواطنين؟ فخلف كل حادث، أسر تفقد معيلها، ومصابون يواجهون رحلة علاج طويلة، وحياة تتغير في لحظة.
وجدد الاصطدام بين شاحنة لنقل المحروقات وسيارة خفيفة على الطريق الرابطة بين طنجة وتطوان، مساء الثلاثاء 3 نونبر، النقاش حول مخاطر التنقل. غير أن المصادر الصحفية التي أمكن الاطلاع عليها لم تؤكد حصيلة بشرية دقيقة، ما يستدعي التحفظ بشأن خبر الوفاة المتداول إلى حين تأكيده من مصدر موثوق. كما لا يمكن تحديد أسباب هذا الحادث أو المسؤوليات عنه قبل اتضاح نتائج البحث.
وتكشف الأرقام حجم التحدي الوطني؛ إذ سجل المغرب خلال سنة 2024 ما مجموعه 4024 وفاة بسبب حوادث السير، وفق المعطيات المنشورة لدى المركز الوطني للدراسات والأبحاث الطرقية. وهي حصيلة تعكس كلفة إنسانية ثقيلة، تتجاوز الخسائر المادية إلى فقدان الأرواح وتبعات الإصابة على الأسر.
وتبرز السرعة ضمن عوامل الخطر الأساسية، لأنها تقلص الوقت المتاح لتفادي الاصطدام وتزيد من شدة نتائجه. ويضاف إليها الانشغال بالهاتف أثناء السياقة، الذي يشتت انتباه السائق، والقيادة تحت تأثير الكحول. أما عدم استعمال حزام السلامة والخوذة ووسائل حماية الأطفال، فيرفع احتمال التعرض لإصابات خطيرة عند وقوع الحادث. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية معالجة هذه العوامل ضمن سياسات الوقاية.
لكن فهم الظاهرة يقتضي النظر أيضاً إلى الطريق والمركبة وظروف التنقل. فالوقاية تستلزم بنية تحتية تراعي سلامة الراجلين وراكبي الدراجات، ومعابر آمنة وتشويراً واضحاً وتدابير لتهدئة السرعة، إلى جانب مركبات تتوفر فيها شروط السلامة. ولذلك، فإن اختزال الحوادث في سلوك السائق وحده يحجب جوانب أساسية من الحل.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تشمل المعالجة مراقبة المقاطع التي تتكرر بها الحوادث، وتقييم حاجتها إلى إصلاحات أو إنارة أو تنظيم أفضل لحركة المرور. كما يستحق النقل المهني اهتماماً خاصاً من خلال متابعة صيانة المركبات، وتعزيز التكوين، وتنظيم العمل بما يسمح للسائقين بالراحة ويحمي مختلف مستعملي الطريق.
ويفترض الحد من النزيف الجمع بين المراقبة المنتظمة، وتحسين الطرق، وترسيخ التربية الطرقية منذ المدرسة. فالتوعية تصبح أكثر فاعلية حين تواكبها إجراءات ملموسة، وتطبيق مستمر لقواعد السلامة، وتقييم معلن للنتائج، مع تطوير سرعة الاستجابة والإسعاف بعد الحوادث.
إن احترام قانون السير مسؤولية فردية، لكن توفير تنقل آمن مسؤولية مشتركة بين السلطات والجماعات ومهنيي النقل ومستعملي الطريق. وأمام حجم الخسائر، يبقى المطلب واضحاً: إجراءات مستمرة يمكن قياس أثرها بانخفاض عدد الضحايا، حتى لا تتحول أخبار المآسي إلى مشهد يومي مألوف.



