في الأزقة الضيقة، بين جدران إسمنتية أنهكها الزمن، وعلى بقع أرضٍ مهملة تحوّلت بفعل الخيال إلى ملاعب، تولد كرة القدم في صورتها الأولى. لا مدرجات هنا ولا صافرات حكم، فقط أطفال يركضون خلف كرةٍ متعبة، يرسمون المرمى بحجرين، ويصنعون من الشارع فضاءً للحلم. هذا العالم البسيط، الذي ظل طويلاً خارج عدسات الإعلام، قررت inDrive بشراكة مع Burger King أن تعيده إلى الواجهة، ليس كمشهد إعلاني، بل كحكاية إنسانية عند تخوم الاقتصاد والمجتمع.
ليست المبادرة بطولة، ولا مشروعًا لاكتشاف المواهب، بل التفاتة صادقة إلى جذور اللعبة. كرة الشارع، كما يعيشها آلاف الأطفال والشباب في المغرب، ليست مجرد لعب، بل ممارسة يومية للحرية، ومتنفسًا اجتماعيًا، وجزءًا من هوية أحياء كاملة. هنا يتعلم اللاعب التمرير قبل القوانين، وروح الجماعة قبل الخطط، والصبر قبل البحث عن النتائج. ورغم ذلك، ظل هذا الفضاء بعيدًا عن الاعتراف والدعم.
من هذا الفراغ تحديدًا، اختارت المبادرة أن تبدأ. لا وعود كبيرة ولا أضواء، فقط دعم بسيط لمئة طفل وشاب بمعدات رياضية أساسية. خطوة قد تبدو متواضعة، لكنها تحمل معنى عميقًا: أن يُرى هؤلاء، وأن يُعترف بوجودهم، وأن يُقال لهم ضمنيًا إن لعبهم له قيمة.
أربعة أطفال جرى اختيارهم ليكونوا الوجوه الرمزية لهذه الحكاية. لم يُختاروا لأنهم الأفضل، بل لأنهم يشبهون الجميع. أطفال يلعبون بدافع الشغف وحده، ويحلمون دون مطالب. صورهم التي ظهرت في شوارع الدار البيضاء وطنجة وأكادير لم تكن إعلانات بقدر ما كانت مرآة لجيل كامل، ورسالة صامتة تقول: «أنا أيضًا لاعب كرة قدم».
وفي شريط مصوّر قصير، رافقت المبادرة هؤلاء الأطفال في تفاصيلهم اليومية. جري خلف الكرة، ضحكات عفوية، تعثرات صغيرة، وانتظار طويل للدور. مشاهد تكشف أن كرة القدم هنا ليست منافسة ولا سباقًا نحو النجومية، بل لغة مشتركة، تنسج العلاقات، وتمنح المعنى للوقت والمكان. الكرة تتحول إلى أداة اندماج، وإلى مساحة لتعلّم القيم، وإلى متنفس في أحياء تقل فيها البدائل.
مشاركة Burger King في هذه التجربة جاءت دون أن تطغى العلامة التجارية على الجوهر. ظل التركيز على الفكرة نفسها: دعم اللعبة في لحظتها الأولى، حيث الشغف خالص، وحيث لا عقود ولا حسابات، بل حب بسيط للكرة. مقاربة تعيد تعريف دور الفاعل الاقتصادي، لا كممول فقط، بل كشريك في الوعي الاجتماعي.
هذه المبادرة لا تعد بمسارات احترافية، ولا تصنع نجومًا جددًا، لكنها تقوم بما هو أعمق من ذلك. إنها تعترف. تعترف بأن كرة القدم تبدأ من الشارع، وأن هذا الشارع يستحق الاهتمام. وفي زمن تحولت فيه اللعبة إلى صناعة عالمية، تعيد هذه المبادرة التذكير بحقيقة بسيطة: قبل أن تكون كرة القدم مهنة، كانت — ولا تزال — لعبة… وحلمًا يولد على الإسفلت.



