في مؤشر اقتصادي يحمل أكثر من رسالة، نجحت الأسر المغربية في كتابة صفحة جديدة داخل تاريخ الادخار الوطني، بعدما تجاوزت ودائعها البنكية لأول مرة حاجز ألف مليار درهم مع نهاية مارس 2026، في رقم لم يعد مجرد معطى مالي، بل تحول إلى إشارة قوية تعكس مستوى الثقة المتزايد في المنظومة البنكية المغربية.
الأرقام الصادرة عن Bank Al-Maghrib كشفت أن ودائع الأسر بلغت 1003,8 مليار درهم، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 8,1 في المائة، وهو تطور يعكس دينامية متواصلة في سلوك الادخار لدى المغاربة، سواء داخل المملكة أو خارجها.
ولعل ما يمنح هذا الرقم بعداً استراتيجياً أكبر، هو أن ما يقارب 228 مليار درهم من هذه الودائع تعود إلى المغاربة المقيمين بالخارج، أي ما يمثل 22,7 في المائة من إجمالي ودائع الأسر، وهو ما يؤكد مرة أخرى الدور المحوري الذي تلعبه الجالية المغربية في دعم التوازنات المالية والاقتصادية للمملكة.
هذا التطور لم يأتِ من فراغ. فمنذ سنة 2024 بدأت مؤشرات الادخار تستعيد قوتها تدريجياً، قبل أن تتسارع الوتيرة خلال 2025، لتصل اليوم إلى مستوى غير مسبوق، يعكس تحسناً في القدرة الادخارية من جهة، ورغبة متزايدة في تأمين الموارد المالية وسط تحولات اقتصادية دولية متسارعة.
وفي المقابل، أظهرت المعطيات أن إجمالي القروض البنكية بالمغرب بلغ 1251,3 مليار درهم، بنمو سنوي بلغ 7,4 في المائة، وهو معدل يبقى أقل من وتيرة نمو الودائع، ما يعني أن الأبناك المغربية أصبحت تجمع السيولة بوتيرة أسرع من إعادة ضخها في السوق عبر التمويل.
كما ساهمت المقاولات الخاصة غير المالية في هذه الدينامية، بعدما بلغت ودائعها 257,7 مليار درهم، بارتفاع سنوي وصل إلى 11,4 في المائة، في إشارة إلى تحسن مستويات السيولة لدى جزء مهم من النسيج الاقتصادي الوطني.
ويرى متابعون للشأن المالي أن تجاوز حاجز ألف مليار درهم في ودائع الأسر ليس مجرد رقم قياسي، بل يعكس تحولاً أعمق في الثقافة المالية للمغاربة، حيث أصبح الادخار يشكل أداة استراتيجية لمواجهة التقلبات الاقتصادية، وضمان الاستقرار المالي للأسر على المدى المتوسط والبعيد.



