دخلت العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة من الزخم السياسي والاقتصادي، عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، يوم 16 يوليوز 2026 بالرباط، برئاسة مشتركة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو.
ويأتي هذا الاجتماع بعد توقف دام عدة سنوات، إذ انعقدت الدورة السابقة في باريس سنة 2019، ما يمنح اللقاء أهمية خاصة في مسار إعادة بناء العلاقات الثنائية وتعزيز «الشراكة الاستثنائية المعززة» بين الرباط وباريس.
وشكل الاجتماع مناسبة لتأكيد رغبة البلدين في الانتقال من مرحلة التقارب السياسي واستعادة الثقة إلى مرحلة جديدة تقوم على تنفيذ مشاريع ملموسة، وتوسيع الاستثمارات، وتعزيز التعاون في القطاعات الاستراتيجية ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، جرى توقيع 14 اتفاقاً للتعاون والشراكة تشمل البنيات التحتية والماء والتعليم والبحث العلمي والثقافة والدفاع والتعاون المؤسساتي، بما يعكس تنوع المصالح المشتركة واتساع المجالات التي أصبحت تشملها العلاقات المغربية الفرنسية.
الاقتصاد في قلب التقارب الجديد
يحظى البعد الاقتصادي بمكانة محورية في هذه الدينامية، في ظل تطلع البلدين إلى رفع مستوى المبادلات التجارية، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، ومواكبة المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في مجالات النقل والسكك الحديدية والماء والطاقة والصناعة والرقمنة.
وتسعى المملكة إلى استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة، تساهم في نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات المحلية وخلق فرص الشغل، فيما ترى المقاولات الفرنسية في المغرب منصة صناعية ولوجستية قادرة على تسهيل الوصول إلى الأسواق الإفريقية.
ويعزز هذا التوجه الموقع الاستراتيجي للمغرب، إلى جانب تطور موانئه وشبكاته الطرقية والسككية ومناطقه الصناعية، ما يؤهله للاضطلاع بدور حلقة وصل اقتصادية بين أوروبا وإفريقيا.
شراكة تتجه نحو المشاريع الكبرى
من المتوقع أن يشكل تطوير البنيات التحتية أحد أبرز محاور التعاون خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الأوراش المرتبطة بتوسعة شبكة القطار فائق السرعة وتحديث منظومة النقل وتطوير المدن وتحسين الربط بين المراكز الاقتصادية.
كما يبرز قطاع الماء ضمن الأولويات المشتركة، في وقت يواجه فيه المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بالإجهاد المائي والتغيرات المناخية. ويمكن للتعاون مع فرنسا أن يشمل تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحسين شبكات التوزيع، وتطوير حلول أكثر كفاءة لتدبير الموارد المائية.
ويمتد التعاون كذلك إلى التعليم والبحث العلمي والابتكار، باعتبارها مجالات أساسية لبناء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة، إلى جانب تعزيز الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث والمقاولات في البلدين.
من استعادة الثقة إلى تحقيق النتائج
تعكس الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى إرادة مشتركة لتجاوز مرحلة التوتر التي طبعت العلاقات خلال السنوات الماضية، وبناء شراكة أكثر توازناً وواقعية، تستند إلى المصالح الاقتصادية المتبادلة والتنسيق السياسي المستمر.
وبعد استعادة الحوار بين الرباط وباريس، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بسرعة تنزيل الاتفاقيات وتحويلها إلى استثمارات ومشاريع قابلة للقياس، بما يضمن استمرار الزخم الجديد وتحقيق نتائج ملموسة لفائدة اقتصادَي البلدين.
وتؤكد هذه المرحلة أن العلاقات المغربية الفرنسية لم تعد تقتصر على الروابط التاريخية والتبادل التجاري التقليدي، بل تتجه نحو نموذج جديد يقوم على الاستثمار المشترك، ونقل الخبرات، والابتكار، والتكامل الاقتصادي بين أوروبا وإفريقيا.




