يمتد الساحل المغربي على واجهتين بحريتين، وتعود مراكب الصيد كل يوم محملة بثروة جعلت المملكة لسنوات واحداً من أبرز الفاعلين في قطاع الصيد البحري عالمياً. لكن خلف هذه الصورة، تكشف الأرقام الجديدة عن تحول صغير في حجمه، كبير في دلالته: المغرب فقد مركزاً داخل ترتيب المنتجين العالميين.
فخلال سنة 2024، انتقل المغرب من المرتبة الرابعة عشرة إلى المركز الخامس عشر عالمياً في إنتاج المصايد البحرية، بعدما تراجع إنتاجه من حوالي 1.411 مليون طن إلى قرابة 1.389 مليون طن.
الفارق لا يتجاوز 22 ألف طن، وقد يبدو محدوداً مقارنة بحجم الإنتاج الوطني، لكنه يطرح سؤالاً أكبر: هل يتعلق الأمر بتراجع ظرفي، أم أنه مؤشر على بداية مرحلة تحتاج إلى مراجعة طريقة استغلال الثروة البحرية؟
مركز عالمي يتراجع وصدارة إفريقية تصمد
في السباق العالمي، تتقدم دول تمتلك أساطيل ضخمة وإمكانات صناعية وتقنية هائلة. الصين ما تزال في الصدارة بإنتاج يبلغ نحو 11.78 مليون طن، تليها إندونيسيا والبيرو وروسيا والهند.
وسط هذه القوى الكبرى، يحتفظ المغرب بموقع مهم، إذ يؤمّن نحو 1.74 في المائة من الإنتاج العالمي للمصايد البحرية، متقدماً على كوريا الجنوبية وآيسلندا والأرجنتين ودول أخرى ترتبط صورتها تقليدياً بالصيد البحري.
أما داخل إفريقيا، فلا يزال المغرب في المقدمة. فمن أصل 7.1 ملايين طن أنتجتها المصايد البحرية الإفريقية سنة 2024، ساهمت المملكة بما يقارب 1.4 مليون طن، متقدمة بفارق واضح على موريتانيا وأنغولا والسنغال وجنوب إفريقيا.
وهكذا يبدو المشهد مزدوجاً: المغرب يتراجع خطوة عالمياً، لكنه يظل واقفاً في الصف الأول إفريقياً.
البحر لم يعد خزاناً بلا حدود
لم تعد قوة الدول البحرية تقاس فقط بعدد المراكب أو بكميات الأسماك التي تصل إلى الموانئ. فالمحيطات نفسها تتغير، ودرجة حرارة المياه تتحرك، وبعض الأنواع السمكية تغير مناطق انتشارها، بينما تواجه مخزونات أخرى ضغطاً متزايداً بسبب الاستغلال والتقلبات المناخية.
لذلك، فإن انخفاض الإنتاج لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد خسارة في الترتيب. فقد يكون رسالة صامتة يرسلها البحر إلى من يستغل موارده: الثروة موجودة، لكنها ليست بلا حدود.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن إنتاج الصيد الطبيعي في العالم أصبح شبه مستقر منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بينما يأتي الجزء الأكبر من النمو الجديد من تربية الأحياء المائية.
ففي سنة 2024، بلغ الإنتاج العالمي من المصايد البحرية حوالي 80 مليون طن، في حين تجاوز إنتاج تربية الأحياء المائية من الحيوانات المائية 100 مليون طن لأول مرة.
العالم، إذن، لا ينتظر أن تمنحه البحار كميات إضافية بلا نهاية، بل يتجه نحو تنمية الإنتاج عبر التربية المستدامة والابتكار والتكنولوجيا.
الثروة الحقيقية تبدأ بعد الميناء
حين تصل الأسماك إلى الميناء، لا تنتهي رحلة الثروة البحرية، بل تبدأ قيمتها الاقتصادية الحقيقية.
فالطن الذي يُصدر في حالته الأولية لا يحقق القيمة نفسها التي يمكن أن ينتجها بعد التصنيع والتحويل والتعليب والتجميد وإنتاج مشتقات ذات قيمة مرتفعة. ولهذا لا ينبغي أن يكون الهدف هو اصطياد كميات أكبر فقط، وإنما تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي أكبر من كل طن يتم استخراجه من البحر.
ويتوفر المغرب على قاعدة مهمة من الصناعات المرتبطة بالمنتجات البحرية، لكنه لا يزال مطالباً بتقوية البحث العلمي، وتحديث أساليب الصيد، وتحسين سلاسل التبريد والتسويق، ودعم الصناعات التحويلية، إلى جانب توسيع مشاريع تربية الأحياء المائية.
كما تبقى حماية البحارة وتحسين ظروف اشتغالهم جزءاً أساسياً من معادلة التنمية، لأن القطاع لا يمكن أن يكون مستداماً إذا كانت ثروته تنمو بينما يظل العاملون فيه في مواجهة الهشاشة والمخاطر.
بين الرقم والرسالة
المركز الخامس عشر عالمياً ليس مرتبة ضعيفة. بل يؤكد أن المغرب لا يزال قوة بحرية وازنة، وأول منتج للمصايد البحرية في إفريقيا. لكن فقدان مركز واحد يحمل رسالة لا ينبغي تجاهلها.
المعركة المقبلة لن تكون حول من يصطاد أكثر فقط، بل حول من يدبر موارده بذكاء، ويحمي مخزوناته، ويحارب الصيد غير القانوني، ويستثمر في تربية الأحياء المائية، ويحول منتجاته إلى قيمة مضافة وفرص عمل.
لقد منحت الجغرافيا المغرب بحرين وثروة استثنائية، لكن الحفاظ على الريادة لن تضمنه الجغرافيا وحدها. فالنجاح الحقيقي لن يكون في إخراج أكبر كمية ممكنة من الأسماك، بل في ضمان أن يظل البحر قادراً على العطاء غداً، وبعد غد، وللأجيال المقبلة.




