لم يعد حضور الماندارين المغربي في الأسواق الأوروبية مجرد نجاح موسمي عابر، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مسار تصاعدي يعكس قدرة المملكة على تعزيز موقعها بين أبرز موردي الحمضيات إلى القارة العجوز. وفي إيرلندا تحديداً، نجح المنتج المغربي في تحقيق أرقام قياسية للموسم الرابع على التوالي، متقدماً بخطوات واضحة على منافسه الإسباني.
فبين أكتوبر 2025 وماي 2026، صدّر المغرب نحو 8700 طن من الماندارين إلى السوق الإيرلندية، بقيمة تجاوزت 9.5 ملايين يورو، وفق معطيات منصة «EastFruit». وارتفعت هذه الصادرات بنسبة 30 في المائة مقارنة بالموسم الماضي، لتؤكد أن الإقبال على الحمضيات المغربية يتجاوز حدود الظرفية، ويتجه نحو ترسيخ حضور تجاري طويل الأمد.
ورغم أن السوق الإيرلندية تبقى محدودة من حيث الحجم مقارنة بأسواق أوروبية أخرى، فإنها تتميز باعتمادها شبه الكامل على الواردات لتلبية حاجياتها من الحمضيات. ويرتفع الطلب بشكل خاص خلال موسم أعياد الميلاد، حين يصبح اليوسفي من الفواكه الأساسية على موائد الأسر الإيرلندية.
ومع مرور السنوات، تغيرت أذواق المستهلكين في هذا البلد. فلم تعد الأصناف التقليدية ذات القشرة السميكة أو البذور تستقطب الاهتمام نفسه، بعدما اتجه الطلب بصورة متزايدة نحو أنواع سهلة التقشير وخالية من البذور، مثل «كليمنتين» و«نادوركوت» و«ساتسوما» و«تانغو». وهو تحول استطاع المصدرون المغاربة استثماره من خلال توفير أصناف تتلاءم مع هذه التفضيلات الجديدة.
خلال أشهر الشتاء، يتحول المغرب وإسبانيا إلى أبرز موردين للسوق الإيرلندية. غير أن الموسم الحالي حمل تغيراً لافتاً في ميزان المنافسة بين البلدين، بعدما تمكنت الشحنات المغربية من الاستحواذ على ما بين 50 و75 في المائة من إجمالي الواردات خلال الفترة الممتدة من دجنبر إلى أبريل.
وبلغ هذا الزخم ذروته في أبريل، حين تجاوزت صادرات المغرب ألفي طن خلال شهر واحد. ويشكل هذا الرقم تحولاً مقارنة بالمواسم السابقة، التي كانت تعرف عادة بلوغ الصادرات أعلى مستوياتها في يناير أو فبراير، ما يعكس قدرة المنتجين والمصدرين المغاربة على تمديد موسم التسويق وضمان استمرار الإمدادات.
وفي الوقت الذي كان فيه الماندارين المغربي يوسع حضوره، كانت الصادرات الإسبانية تسير في الاتجاه المعاكس. فقد تراجعت واردات إيرلندا من اليوسفي الإسباني بنسبة 30 في المائة مقارنة بالموسم السابق، بينما ارتفعت الواردات المغربية بالنسبة نفسها.
وبذلك، انتقل المغرب من تقاسم صدارة السوق مع إسبانيا إلى تصدير كميات تقترب من ضعف ما صدره منافسه الإسباني. وهو تطور لا يعكس مجرد اختلاف مؤقت في حجم المحاصيل، بل يشير إلى تحول متدرج في خريطة تموين السوق الإيرلندية بالحمضيات.
ويبدو أن المصدرين المغاربة نجحوا في بناء موقع قوي داخل كبرى سلاسل التوزيع في إيرلندا، مستفيدين من الأسعار التنافسية، وتحسن الجودة، وتنوع الأصناف، إلى جانب التوسع المتواصل في الإنتاج الموجه إلى الأسواق الخارجية.
ولا يتوقف هذا التقدم عند الحدود الإيرلندية، إذ سجل اليوسفي المغربي مستويات قياسية أيضاً في السوق الألمانية، كما يواصل تعزيز حضوره في بريطانيا ودول أخرى بشمال أوروبا.
وهكذا، يتحول الماندارين المغربي من منتج موسمي يبحث عن مكان داخل الأسواق الخارجية إلى منافس قوي يعيد رسم خريطة تجارة الحمضيات الأوروبية، ويزاحم إسبانيا في أسواق ظلت لسنوات محسوبة على المنتج الإسباني.




