تعود قضية سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، في وقت يدرك فيه البلدان أن مصالحهما المشتركة أعمق من أن تختزل في خلاف سياسي، مهما بلغت حساسيته. فالجغرافيا والاقتصاد والأمن والهجرة تجعل من التعاون بين الرباط ومدريد ضرورة استراتيجية لا يمكن لأي طرف الاستغناء عنها.
وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين مغاربة، وما أعقبها من رد فعل إسباني، أن ملف المدينتين ما يزال حاضراً في الذاكرة السياسية للبلدين. غير أن طريقة تدبير هذا التوتر تؤكد، في الوقت نفسه، وجود حرص متبادل على عدم السماح له بالتحول إلى أزمة مفتوحة تهدد الشراكة الثنائية.
فإسبانيا تحتاج إلى المغرب باعتباره شريكاً أساسياً في تأمين حدودها الجنوبية، ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة والإرهاب. كما يمثل المغرب بالنسبة إلى مدريد بوابة اقتصادية ولوجستية نحو القارة الإفريقية، وسوقاً مهماً للشركات الإسبانية، فضلاً عن دوره المتنامي في مجالات الطاقة والنقل والتجارة البحرية.
وتدرك مدريد أن أي خصام طويل مع الرباط ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها الداخلي ومصالحها الاقتصادية وحضورها في الضفة الجنوبية للمتوسط. لذلك تحرص الحكومة الإسبانية، حتى عند التعبير عن رفضها لبعض المواقف المغربية، على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وتجنب العودة إلى مرحلة القطيعة.
وفي المقابل، يحتاج المغرب بدوره إلى إسبانيا بوصفها أحد أبرز شركائه الاقتصاديين داخل الاتحاد الأوروبي، وحلقة أساسية في وصول المنتجات المغربية إلى الأسواق الأوروبية. كما يستفيد البلدان من ترابط شبكات النقل والاستثمار والسياحة، ومن التعاون الأمني والاقتصادي الذي يوفر فرصاً حقيقية للتنمية على جانبي مضيق جبل طارق.
هذه المصالح لا تعني غياب الخلافات، ولا تلغي حق كل دولة في الدفاع عن مواقفها، لكنها تفرض اعتماد خطاب سياسي مسؤول يميز بين القضايا الخلافية والمصالح الاستراتيجية المشتركة. فالعلاقات بين الدول لا تقوم على التطابق الكامل، وإنما على القدرة على إدارة الاختلاف دون هدم ما تحقق من تعاون.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية خالد الشيات أن إسبانيا تدرك ارتفاع الكلفة الاستراتيجية لأي خصام سياسي ممتد مع المغرب، لذلك تسعى إلى احتواء التوتر ومنعه من التحول إلى عنصر ضاغط على علاقاتها الخارجية. كما أن الرباط حافظت على موقفها المبدئي من سبتة ومليلية، مع استمرارها في التعامل مع إسبانيا باعتبارها شريكاً استراتيجياً.
أما التقارب الإسباني مع الجزائر، فلا يبدو بديلاً واقعياً عن العلاقة مع المغرب، لأن لكل علاقة حساباتها ومجالاتها الخاصة. كما أن الجغرافيا والمبادلات التجارية والتحديات الأمنية المشتركة تجعل التعاون المغربي الإسباني أكثر تعقيداً وعمقاً من أن يُعوَّض بتحالف ظرفي.
إن المغرب يحتاج إلى إسبانيا داخل فضائه الأوروبي، وإسبانيا تحتاج إلى المغرب في عمقها المتوسطي والإفريقي. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقة بينهما لن تحدده الخلافات العابرة، بل قدرتهما على تحويل الجوار الجغرافي إلى شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فالرباط ومدريد ليستا أمام خيار التعاون أو القطيعة، وإنما أمام مسؤولية بناء علاقة ناضجة تستطيع استيعاب الخلاف وحماية المصالح الاستراتيجية للبلدين.




