الرباط – يبدو أن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز منطق التعاون التقليدي، لتنتقل إلى شراكة اقتصادية واستثمارية ذات بعد استراتيجي، عقب انعقاد الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين، والتي حملت رسائل واضحة بشأن تسريع تنفيذ المشاريع المشتركة وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين الرباط وباريس.
وتأتي هذه المرحلة بعد أشهر من عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية، حيث تسعى الحكومتان إلى تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، تقوم على الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع، والتعاون في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بما يعزز مكانة المغرب كشريك استراتيجي لفرنسا داخل القارة الإفريقية.
تحول من التعاون إلى الشراكة الإنتاجية
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين البلدين تقتصر على المبادلات التجارية أو الاستثمارات التقليدية، بل أصبحت تتجه نحو بناء سلاسل إنتاج مشتركة في قطاعات الصناعة، والطاقة، والبنية التحتية، والابتكار، والدفاع، والرقمنة.
ويعكس هذا التحول رغبة الطرفين في مواكبة المتغيرات الاقتصادية العالمية، خاصة مع إعادة تشكيل سلاسل التوريد الدولية، حيث أصبح المغرب منصة صناعية ولوجستية تنافسية تربط أوروبا بإفريقيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، واتفاقياته التجارية المتعددة.
المغرب.. بوابة فرنسا نحو إفريقيا
يكتسب هذا التقارب الاقتصادي أهمية خاصة في ظل تنامي الاستثمارات الفرنسية بالمغرب، الذي أصبح أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لباريس خارج الاتحاد الأوروبي، فيما ترى الشركات الفرنسية في المملكة قاعدة للتوسع نحو الأسواق الإفريقية، مستفيدة من الحضور الاقتصادي المغربي المتزايد في القارة.
كما يشكل المغرب وجهة جاذبة للصناعات الفرنسية الباحثة عن القرب الجغرافي، والكلفة التنافسية، وسرعة الولوج إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية في آن واحد.
فرص استثمارية واعدة
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة قد تشهد زخماً أكبر في الاستثمارات المشتركة، خاصة في مجالات:
- الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
- الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
- صناعة السيارات والطيران.
- السكك الحديدية والنقل الذكي.
- الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
- الاقتصاد الرقمي والخدمات المالية.
وتنسجم هذه القطاعات مع الاستراتيجية الصناعية للمغرب ورؤية فرنسا لإعادة تموقع استثماراتها في فضاء متوسطي وإفريقي أكثر استقراراً.
نحو “تغيير في الحجم”
وصف المسؤولون هذه المرحلة بأنها “تغيير في الحجم” وليس مجرد استئناف للعلاقات، في إشارة إلى الانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تقوم على التنفيذ السريع للمشاريع، وتنسيق السياسات الاقتصادية، وإطلاق اتفاقيات جديدة في قطاعات حيوية.
مستقبل الشراكة
في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية، تبدو الشراكة المغربية الفرنسية مرشحة لأن تصبح أحد أهم محاور التعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، خاصة مع تلاقي المصالح الاقتصادية للطرفين، ووجود إرادة سياسية مشتركة لإرساء نموذج جديد يقوم على الاستثمار المشترك، والابتكار، والتصنيع، وخلق فرص الشغل.
وبذلك، لا يمثل الاجتماع الحكومي رفيع المستوى مجرد محطة دبلوماسية، بل يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة التعاون الاقتصادي بين الرباط وباريس، وتجعل من العلاقة بين البلدين نموذجاً لشراكة استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.




