في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها الموارد المائية بفعل التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الحلول التكنولوجية التي يعول عليها لتطوير أساليب تدبير المياه وتحسين كفاءة استغلالها، بما يعزز الأمن المائي ويحد من الهدر.
ويشهد قطاع الماء على الصعيد العالمي تحولاً متسارعاً نحو اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل إدارة الموارد المائية، بدءاً من جمع وتحليل البيانات، مروراً بالتنبؤ بمستويات التساقطات والفيضانات والجفاف، وصولاً إلى اتخاذ قرارات دقيقة بشأن توزيع المياه وتشغيل البنيات التحتية.
وتعتمد هذه الأنظمة على معالجة كميات هائلة من المعطيات الواردة من الأقمار الصناعية، ومحطات الرصد، وأجهزة الاستشعار المنتشرة داخل السدود وشبكات التوزيع، ما يسمح باكتشاف التسربات بشكل مبكر، وتحسين مردودية الشبكات، وتقليص الفاقد المائي الذي يشكل أحد أكبر التحديات أمام العديد من الدول.
كما تتيح الخوارزميات الذكية توقع الطلب على المياه وفق المتغيرات المناخية والديمغرافية، الأمر الذي يساعد المسؤولين على التخطيط الاستباقي لتدبير الموارد المتاحة، خصوصاً خلال فترات الإجهاد المائي.
وفي المجال الفلاحي، الذي يستهلك الجزء الأكبر من الموارد المائية، يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة الري الذكي، حيث يتم تحديد الكميات الضرورية من المياه لكل محصول اعتماداً على حالة التربة، ودرجات الحرارة، والرطوبة، والتوقعات الجوية، وهو ما يساهم في الاقتصاد في استهلاك المياه وتحسين الإنتاجية الزراعية.
أما على مستوى السدود والمنشآت المائية، فتعمل التقنيات الذكية على تحسين تدبير المخزون المائي من خلال نماذج تنبؤية تساعد على اتخاذ القرارات المتعلقة بعمليات التخزين أو التفريغ، مع تعزيز القدرة على مواجهة الظواهر المناخية القصوى.
ويرى خبراء أن التحول الرقمي في قطاع الماء لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات التغير المناخي وارتفاع الطلب على المياه، مؤكدين أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لضمان استدامة الموارد المائية وتحسين حكامة القطاع.
وبالنسبة للمغرب، الذي جعل الأمن المائي أولوية وطنية من خلال برامج بناء السدود، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، فإن إدماج حلول الذكاء الاصطناعي يمثل خطوة إضافية نحو بناء منظومة أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية وتحقيق تنمية مستدامة تعتمد على التدبير الذكي للموارد الطبيعية.




