تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بشكل عام؛ فالتغيرات تختلف من مادة إلى أخرى، ما يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب مشترياتها وتدبير ميزانياتها اليومية.
داخل المتاجر الكبرى ومحلات الأحياء، بات المستهلكون أكثر حرصاً على مقارنة الأسعار واختيار المنتجات التي تناسب ميزانياتهم، كما يؤجل بعضهم شراء سلع معينة أو يستبدلها ببدائل أقل كلفة. وتأتي هذه التحولات في سياق اقتصادي تتباين فيه اتجاهات الأسعار بين شهر وآخر وبين فئة وأخرى من المنتجات.
وتوضح أحدث المعطيات المتاحة للمندوبية السامية للتخطيط، المتعلقة بشهر غشت 2026، هذا التباين؛ إذ ارتفع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,8 في المائة مقارنة بشهر يوليوز، بفعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية. غير أنه سجل، على أساس سنوي، تراجعاً بنسبة 0,3 في المائة. أما متوسط التضخم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، فبلغ 0,3 في المائة.
ولا يعني هذا التراجع أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، بل يعكس تغير وتيرة ارتفاعها أو انخفاضها بحسب الفترات والمواد. فقد ارتبط التراجع السنوي المسجل في غشت، خصوصاً، بانخفاض أسعار بعض المواد الغذائية، في حين شهدت فئات غير غذائية، من بينها النقل، زيادات في الأسعار وبالنسبة إلى الأسر، لا يُقاس أثر التضخم بالرقم الإجمالي وحده، بل بما تتركه الأسعار من أثر على سلة المشتريات. فتراجع أسعار بعض المنتجات لا يعوض بالضرورة ارتفاع نفقات أخرى أساسية، وهو ما يفرض على الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود، إجراء مفاضلات يومية للحفاظ على توازن ميزانياتها.
وفي مواجهة هذه التقلبات، تتغير سلوكيات المستهلكين؛ إذ يزداد الإقبال على مقارنة الأسعار والبحث عن أحجام أقل كلفة، أو الاستعاضة عن بعض المنتجات ببدائل أخرى. كما تجد المحلات التجارية نفسها أمام زبائن أكثر انتباهاً للسعر والقيمة التي يحصلون عليها مقابل كل عملية شراء.
وتبرز هذه المؤشرات أهمية تجاوز قراءة التضخم من خلال الرقم العام وحده، لأن متوسط الأسعار يخفي تفاوتاً بين المنتجات والفترات وأنماط الاستهلاك. وبينما يحاول المستهلكون التكيف مع هذا الواقع، تصبح إدارة الميزانية أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.



