في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية العالمية وتتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، يواصل الاقتصاد المغربي إظهار قدر من الصمود والقدرة على التكيف مع مختلف المتغيرات الدولية. غير أن المؤشرات الجديدة الصادرة عن البنك الإفريقي للتنمية تكشف عن مرحلة اقتصادية تتطلب مزيداً من اليقظة والاستعداد لمواجهة التحديات القادمة.
فبحسب تقرير “الآفاق الاقتصادية لإفريقيا 2026″، من المرتقب أن يسجل المغرب معدل نمو اقتصادي في حدود 4,2 في المائة خلال سنة 2026، مقابل 4,7 في المائة خلال سنة 2025، في تباطؤ طفيف يعكس تأثير الاضطرابات الجيوسياسية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية. ورغم هذا التراجع النسبي، فإن المملكة تظل من بين الاقتصادات الإفريقية الأكثر استقراراً وقدرة على الحفاظ على دينامية النمو.
ويؤكد التقرير أن الطلب الداخلي، إلى جانب الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية، سيواصلان لعب دور أساسي في دعم الاقتصاد الوطني، مدعومين بأداء قطاعات حيوية تشمل الفلاحة والصناعة التحويلية والبناء والسياحة. كما يراهن المغرب على المشاريع الاستراتيجية والإصلاحات الاقتصادية لتعزيز جاذبيته الاستثمارية وتحفيز خلق فرص الشغل.
في المقابل، تفرض التوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط وضبابية المشهد الاقتصادي الدولي تحديات إضافية، خاصة مع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة وتكاليف النقل البحري، وهو ما قد يؤثر على الميزان التجاري وكلفة الواردات. كما أن اضطرابات سلاسل التوريد العالمية تبقى من بين أبرز المخاطر التي تراقبها المؤسسات المالية الدولية عن كثب.
ورغم هذه الضغوط، يتوقع البنك الإفريقي للتنمية أن يظل معدل التضخم في المغرب ضمن مستويات متحكم فيها، بفضل السياسات النقدية والمالية المتبعة، حيث يرجح أن يستقر في حدود 2,4 في المائة خلال سنة 2026، وهو مستوى يبقى أقل بكثير من معدلات التضخم المسجلة في عدد من الاقتصادات الإفريقية الكبرى.
ويرى مراقبون أن قدرة المغرب على الحفاظ على هذا التوازن تعود إلى تنوع اقتصاده، واستمرار الاستثمارات العمومية والخاصة، إضافة إلى الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز التمويلات الموجهة للمقاولات والاستثمار المنتج.
وفي وقت تتجه فيه العديد من الاقتصادات العالمية نحو مرحلة من التباطؤ وعدم اليقين، يبدو أن المغرب يواصل تثبيت موقعه كواحد من أبرز الأقطاب الاقتصادية الصاعدة في القارة الإفريقية، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي وشبكة شراكاته الدولية ومشاريعه التنموية الكبرى التي تشكل رافعة أساسية للنمو خلال السنوات المقبلة.



