أعاد حسم تزكية زكية الدريوش لخوض الاستحقاقات الانتخابية بجهة سوس ماسة مسارها المهني إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بتجربتها في قطاع الصيد البحري، وعلاقاتها بمهنييه، وقدرتها على تحويل خبرتها الإدارية إلى قيمة مضافة في العمل التمثيلي.
ومثل جميع الشخصيات التي تدخل المنافسة الانتخابية، من الطبيعي أن تخضع الدريوش للنقد والمساءلة. غير أن تقييم تجربتها لا يمكن أن يبدأ من لحظة التزكية وحدها، أو من أرقام متداولة من دون وثائق، بل من مسار مهني امتد سنوات طويلة داخل واحد من أكثر القطاعات الاقتصادية تعقيدًا وحساسية في المغرب.
فالدريوش ليست اسمًا ظهر فجأة مع اقتراب الانتخابات، ولم تصل إلى قطاع الصيد البحري من خارجه. فقد شغلت سنة 2005 منصب مديرة صناعات الصيد، ثم تولت سنة 2008 إدارة الصيد البحري وتربية الأحياء المائية، قبل تعيينها سنة 2013 كاتبة عامة لقطاع الصيد البحري، وصولًا إلى تعيينها سنة 2024 كاتبة دولة مكلفة بالصيد البحري، وهي الصفة التي تؤكدها البوابة الرسمية للمملكة ضمن التشكيلة الحكومية الحالية.
هذا التدرج من المسؤوليات التقنية إلى الإدارة المركزية، ثم إلى المسؤولية الحكومية، يمنح مسارها قدرًا من المصداقية لا يستمد قوته من الخطاب السياسي، بل من المعرفة المتراكمة بملفات المصايد، وتدبير المخزون السمكي، وتربية الأحياء المائية، ومراقبة المنتجات البحرية، وتأهيل البنيات التحتية، وعلاقات المغرب مع المؤسسات الدولية المختصة.
ولا يعني ذلك أن هذا المسار يمنحها حصانة من النقد أو يعفيها من تقديم الحساب. على العكس، فكلما طالت مدة المسؤولية واتسعت صلاحياتها، أصبح من المشروع مطالبة صاحبتها بتقديم النتائج وتفسير القرارات. لكن المحاسبة المهنية تختلف عن إطلاق أحكام عامة أو استعمال أرقام ضخمة من دون إظهار طريقة احتسابها.
وخلال المرحلة الحكومية الأخيرة، ارتبط اسم الدريوش بعدد من الملفات العملية. ففي ماي 2026، شاركت في إطلاق البوابة المغربية لمساطر التجارة الخارجية، التي تستهدف تبسيط ورقمنة إجراءات الاستيراد والتصدير. وأكدت حينها أن قطاع الصيد البحري، الذي تتجه نسبة مهمة من أنشطته نحو الأسواق الخارجية، يصدر أكثر من 38 ألف شهادة صيد عبر منصة رقمية بالكامل، في خطوة تعكس انتقال القطاع نحو تقليص الإجراءات الورقية وتعزيز التتبع والشفافية.
كما وقعت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، في فبراير 2025، اتفاقية لتكوين 300 نزيلة ونزيل في مرحلة أولى في مهن مرتبطة بالصيد البحري، شملت عددًا من المدن، من بينها طنجة والعرائش وأكادير والحسيمة والصويرة وآسفي والناظور والدار البيضاء. ويتجاوز هذا المشروع التدبير التقني للقطاع إلى توظيف إمكاناته في الإدماج الاجتماعي والمهني، خصوصًا في مجالات صناعة الشباك والسلامة البحرية والمحافظة على البيئة.
وتحضر تربية الأحياء المائية بدورها ضمن الملفات التي دافعت عنها الدريوش باعتبارها رافعة للاستثمار والأمن الغذائي والاقتصاد الأزرق. كما أشرفت على تدشين وتجهيز منشآت مرتبطة بالتفريغ وتثمين المنتجات البحرية، وعلى توقيع اتفاقيات موجهة إلى تطوير الاستثمار في الأنشطة البحرية ورفع القيمة المضافة للمنتجات السمكية.
هذه المعطيات لا تعني أن جميع مشكلات القطاع قد حُلت، ولا أن حصيلة كاتبة الدولة لا تحتاج إلى تقييم نقدي. فما تزال أمام الصيد البحري تحديات ترتبط بحماية المخزون السمكي، وتحسين الظروف الاجتماعية للبحارة، وتنظيم مواسم الصيد، ومراقبة مسالك التسويق، وتحقيق التوازن بين الصيد التقليدي والساحلي والصيد في أعالي البحار، إلى جانب مواجهة آثار التغيرات المناخية على الموارد البحرية.
لكن وجود هذه التحديات هو أيضًا ما يمنح الخبرة المتراكمة قيمتها. فإدارة قطاع تتقاطع داخله المصالح الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لا تقوم على الشعارات، بل تحتاج إلى معرفة بالقوانين والمساطر والموانئ والأساطيل والأسواق الدولية، وإلى قدرة على التوفيق بين حماية الثروة السمكية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
وفي جهة سوس ماسة، تكتسب هذه التجربة أهمية إضافية. فالجهة تتوفر على امتداد ساحلي ونشاط بحري ومؤسسات للتثمين والتحويل والتصدير، كما تشكل موانئها ومراكزها الاقتصادية فضاءً حيويًا لآلاف المهنيين والعمال والمقاولات. ومن ثم، فإن اختيار شخصية راكمت خبرة مباشرة في هذا المجال يمكن قراءته باعتباره محاولة لربط التمثيل السياسي بأحد القطاعات الأساسية في اقتصاد الجهة.
أما الأرقام المالية التي يجري تداولها بشأن الرخص والامتيازات، ومن بينها الحديث عن «أربعة مليارات» شهريًا، فلا يمكن اعتمادها أساسًا للحكم على الأشخاص ما لم يتم تحديد الرخصة المعنية وصاحبها وطبيعة النشاط والكميات والأسعار والتكاليف. فهناك فرق جوهري بين قيمة رخصة ورقم معاملات ومداخيل وأرباح صافية، ولا تصبح الأرقام حقائق بمجرد تكرارها أو تقديمها في قالب مثير.
إذا كانت هناك وثائق تثبت استفادة غير مشروعة أو تضاربًا في المصالح، فمن حق الرأي العام الاطلاع عليها، ومن واجب الصحافة فحصها ونشرها. أما إذا لم تعرض الوثائق وطريقة الحساب، فإن التعامل المهني يقتضي إبقاء الادعاء في دائرة ما يحتاج إلى الإثبات، من دون تحويله إلى إدانة مسبقة.
إن المصداقية السياسية لزكية الدريوش لا تحتاج إلى بناء صورة مثالية عنها، ولا إلى منع النقد الموجه إليها. مصدر هذه المصداقية هو مسارها داخل القطاع، وتدرجها في مسؤولياته، ومعرفتها بملفاته، والمشاريع التي شاركت في تنزيلها. أما تعزيزها مستقبلًا فسيبقى مرتبطًا بقدرتها على تقديم حصيلة واضحة، والإنصات للمهنيين، والدفاع عن مصالح الجهة، والتفاعل بشفافية مع الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.
وبين الانتقاد والدفاع، تظل الوقائع هي المعيار الأكثر عدلًا. فمن حق الدريوش أن تُحاسب على قراراتها ونتائج عملها، لكن من حقها أيضًا ألا تختزل سنوات من الخبرة في رقم غير موثق أو ورقة بلا مرجع. وفي النهاية، لا تمنح التزكية وحدها المصداقية لأي مرشح، كما لا تسقطها حملة انتقادات؛ الذي يمنحها أو يسحبها هو المسار والنتائج والوثيقة.




