في الوقت الذي تواجه فيه تونس والجزائر صعوبات متزايدة في تأمين حاجيات السكان والقطاعات الاقتصادية من الماء، بسبب توالي سنوات الجفاف وتراجع حقينة السدود واستنزاف الموارد الجوفية، اختار المغرب مواجهة الوضع بمنهج استباقي يقوم على تنويع مصادر التزويد، وتسريع الاستثمارات، وتعزيز الكفاءة في تدبير الموارد المائية.
ولا يعني ذلك أن المغرب تجاوز نهائياً تحديات الإجهاد المائي، بل إن المملكة بدورها تعاني آثار التغيرات المناخية وعدم انتظام التساقطات. غير أن الفرق يكمن في طبيعة التدبير وفي القدرة على الانتقال من الاعتماد شبه الكامل على الأمطار والسدود إلى منظومة أكثر تنوعاً ومرونة، تشمل تحلية مياه البحر، وربط الأحواض المائية، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وحماية الفرشات الجوفية، فضلاً عن تقليص ضياع الماء داخل شبكات التوزيع.
وتضطلع وزارة التجهيز والماء بدور أساسي في تنزيل هذه الرؤية، من خلال التخطيط للمشاريع الكبرى وتتبع إنجازها وتنسيق تدخلات مختلف المؤسسات. كما يساهم المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في تأمين إنتاج الماء الصالح للشرب ونقله، بينما تعمل وكالات الأحواض المائية على تدبير الموارد المتاحة ومراقبة استعمالها والحفاظ على توازنها.
وتشكل الشركات الجهوية متعددة الخدمات حلقة مهمة في هذه المنظومة، باعتبارها الجهة الأقرب إلى المواطنين والمقاولات. ولا يقتصر دورها على توزيع الماء، بل يشمل أيضاً صيانة الشبكات، وتسريع التدخلات التقنية، وتحسين جودة الخدمات، ورصد التسربات، وتحديث أساليب التسيير، وضمان استمرارية التزويد، خصوصاً خلال فترات الضغط وارتفاع الاستهلاك.
وتبرز أهمية هذا التدبير بشكل خاص في شمال المغرب، الذي يعرف نمواً سكانياً وعمرانياً وصناعياً وسياحياً متسارعاً. فالمنطقة تضم أقطاباً اقتصادية كبرى ومناطق صناعية ولوجستية وموانئ دولية، إلى جانب مدن تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار خلال فصل الصيف، ما يرفع الطلب على الماء ويجعل تأمينه مسألة مرتبطة مباشرة بالتنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تضطلع الشركة الجهوية متعددة الخدمات طنجة–تطوان–الحسيمة بمسؤولية كبيرة في مواكبة التحولات التي تعرفها الجهة، من خلال تحسين شبكات التوزيع، والرفع من جودة الخدمات، وتقليص آجال التدخل، ومعالجة الاختلالات التقنية، والعمل على ضمان وصول الماء إلى مختلف الأقاليم والجماعات في ظروف مستقرة.
إن نجاح السياسة المائية لا يقاس فقط بعدد المنشآت أو حجم الاستثمارات، بل كذلك بمدى كفاءة الإدارة، وجودة الحكامة، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق بين المؤسسات، والقدرة على توقع الأزمات قبل وقوعها. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى تدبير يومي فعال، ومراقبة دقيقة، وصيانة مستمرة، وربط واضح بين التخطيط الوطني والتنفيذ الجهوي والمحلي.
وتؤكد التجربة المغربية أن الجفاف ظاهرة طبيعية لا يمكن منعها، لكن يمكن التحكم في تداعياتها بالتخطيط المبكر والاستثمار المستدام وحسن التدبير. كما تبين أن الأمن المائي لم يعد ملفاً تقنياً فقط، بل أصبح ركيزة من ركائز السيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي وجاذبية الاستثمار.
وبينما تكشف الأوضاع المائية الصعبة في عدد من دول المنطقة عن خطورة التأخر في اتخاذ القرارات، يواصل المغرب بناء نموذج يقوم على الاستباق والكفاءة وتعبئة المؤسسات. ويبقى التحدي المطروح هو الحفاظ على هذه الدينامية، وتسريع إنجاز المشاريع، وترشيد الاستهلاك، وتقليص التسربات، حتى لا تتحول ندرة الماء إلى أزمة تؤثر في حياة المواطنين أو تعرقل مسار التنمية.




