لم يكن عبد الواحد بولعيش في حاجة إلى خريطة ليتعرف على أحياء طنجة، ولا إلى حملة انتخابية حتى يطرق أبواب أهلها. فالمدينة التي يجوب شوارعها اليوم مرشحاً للبرلمان، عرفته منذ سنوات فاعلاً في الرياضة والعمل الجمعوي والاجتماعي، ثم مسؤولاً داخل مؤسسات التدبير المحلي.
مع دخول الحملة الانتخابية يومها الرابع، كان بولعيش يتحرك بين المواطنين بهدوء رجل يعرف المكان ويعرف أهله. يصافح هذا، وينصت إلى ذاك، ويتوقف أمام شاب يتحدث عن العمل، وأبٍ يشكو صعوبة الحياة، وامرأة تنتظر حلاً لمشكل ظل عالقاً زمناً طويلاً.
لم تكن اللقاءات بالنسبة إليه مجرد صور تُلتقط أو شعارات تُردد. كان يحاول أن يجعل من كل مصافحة بداية حوار، ومن كل شكوى ملفاً ينبغي أن يجد طريقه إلى المؤسسات.
في أحد الأزقة، تقدم نحوه رجل مسن، أمسك بيده وقال له إن المسؤول الحقيقي هو الذي يتذكر الناس بعد انتهاء الانتخابات. ابتسم بولعيش، وبقي يستمع إليه حتى أكمل حديثه. كانت لحظة بسيطة، لكنها اختصرت المعركة كلها: المواطن لا يبحث عمن يزوره أيام الحملة فقط، بل عمن يبقى قريباً منه عندما تنطفئ الأضواء.
وربما هنا توجد إحدى نقاط قوة بولعيش. فهو لا يقدم نفسه باعتباره اسماً ظهر فجأة مع اقتراب الاقتراع، وإنما بوصفه رجلاً راكم تجربته بالتدرج؛ من الملاعب وكرة السلة إلى الجمعيات والعمل الثقافي والاجتماعي، ثم إلى السياسة وتدبير الشأن المحلي.
في الرياضة تعلم أن الانتصار لا يصنعه لاعب واحد، وأن الفريق القوي هو الذي يعرف كيف يتعاون ويصمد حتى اللحظة الأخيرة. وفي العمل الجمعوي أدرك أن خدمة الناس لا تبدأ دائماً من المكاتب، بل من معرفة احتياجاتهم والوجود إلى جانبهم. أما في السياسة، فقد وجد نفسه أمام امتحان أكبر: كيف يحول القرب الإنساني إلى قرارات وترافع ونتائج ملموسة؟
كل هذه المحطات صنعت، في نظر مؤيديه، صورة رجل قادم من الميدان، يحمل معه ذاكرة المدينة وأصوات ناسها. لذلك لا تبدو حملته مجرد سباق نحو مقعد برلماني، بل محاولة للانتقال من الاستماع إلى التمثيل، ومن متابعة المشاكل محلياً إلى الدفاع عنها داخل المؤسسة التشريعية.
المنافسة في طنجة أصيلة قوية، واللوائح متعددة، ولكل حزب حساباته ورهاناته. غير أن منافسي بولعيش لا يواجهون حملة بدأت منذ أربعة أيام فقط؛ إنهم يواجهون رصيداً من العلاقات والتجارب تشكل على امتداد سنوات.
ففي كل حي يزوره، يجد وجوهاً عرفته قبل أن يحمل صفة المرشح. بعضهم التقى به في نشاط رياضي، وبعضهم عرفه من خلال مبادرة جمعوية، وآخرون تابعوا حضوره في تدبير قضايا المدينة. وهذه المعرفة السابقة تمنح حملته طابعاً مختلفاً، لأنها تنطلق من أرضية موجودة وليست مطالبة ببناء كل شيء من البداية.
ومع ذلك، يعرف بولعيش أن القرب وحده لا يكفي. فالناس يريدون نتائج، ويريدون نائباً لا يكتفي بالاستماع إليهم، بل يحمل ملفاتهم إلى البرلمان، ويسائل المسؤولين، ويتابع القضايا، ثم يعود إليهم بالجواب والحصيلة.
وبين الأزقة والساحات، يواصل بولعيش حملته بخطوات رجل يعرف أن الطريق إلى البرلمان يمر أولاً من ثقة المواطنين. وفي نظر أنصاره، لا تكمن بطولته في رفع الشعارات، بل في قدرته على البقاء وسط الناس، والإنصات إليهم، وتحويل آمالهم إلى معركة يومية داخل المؤسسات.
قد تحسم صناديق الاقتراع أسماء الفائزين، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة العلاقة بين المرشح ومدينته. تلك العلاقة تُبنى عبر السنوات، في المواقف الصغيرة، وفي الأبواب التي تُفتح، وفي الأيدي التي تمتد للمساعدة.
وهذه هي الحكاية التي يدخل بها عبد الواحد بولعيش سباق طنجة أصيلة: رجل بدأ من الميدان، كبر وسط الناس، ويحلم اليوم بأن يحمل أصواتهم من شوارع طنجة إلى قلب البرلمان.




