حوّل محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، تجمعاً انتخابياً حاشداً بمدينة طنجة إلى محاكمة سياسية مفتوحة لحكومة عزيز أخنوش، موجهاً إليها اتهامات ثقيلة بالفشل وتضارب المصالح والتواطؤ مع لوبيات اقتصادية، وداعياً المغاربة إلى جعل صناديق الاقتراع لحظة حاسمة لمحاسبة أحزاب الأغلبية.
بنعبد الله لم يكتفِ بتوجيه نقد تقليدي إلى الحصيلة الحكومية، بل رفع سقف المواجهة السياسية، معتبراً أن المغرب لم يعرف، حسب تعبيره، حكومة اجتمعت حولها شبهات تضارب المصالح والفساد بهذا الحجم. وقال إن المواطنين أدوا ثمن السياسات الحكومية من قدرتهم الشرائية، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار واتساع الشعور بالضيق الاجتماعي.
ومن قلب طنجة، وجّه زعيم حزب «الكتاب» رسالته مباشرة إلى الناخبين: الغضب وحده لا يصنع التغيير، وانتقاد الحكومة في الشوارع والمقاهي ومواقع التواصل الاجتماعي لن تكون له قيمة سياسية إذا لم يتحول إلى أصوات داخل مكاتب الاقتراع.
وحذّر بنعبد الله من تكرار سيناريو تستمر فيه الشكاوى من الغلاء وتدهور الخدمات، بينما تسمح نسب المشاركة الضعيفة بعودة الأحزاب نفسها إلى المؤسسات المنتخبة. وقال إن التحدي الحقيقي خلال هذا الاستحقاق يكمن في التصويت المكثف والواعي، الذي يحمل رسالة محاسبة واضحة إلى الحكومة وأحزابها.
ولم تتوقف انتقادات الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية عند الحصيلة الاجتماعية، بل امتدت إلى ما وصفه باستعمال المال في الحملات الانتخابية، متهماً بعض المرشحين في طنجة بتسخير إمكانات مالية ضخمة وتشغيل آلاف الأشخاص لخدمة حملاتهم.
وتساءل بنعبد الله عن مصادر هذه الأموال، رابطاً بينها وبين الفساد والسعي إلى العودة مجدداً إلى المؤسسات المنتخبة لحماية المصالح والنفوذ. وهي اتهامات سياسية خطيرة أطلقها زعيم «الكتاب» في ذروة التنافس الانتخابي، وتبقى مسؤولية إثباتها على عاتق من وجّهها.
ملف المحروقات كان بدوره حاضراً بقوة في خطاب بنعبد الله، الذي وضع رئيس الحكومة عزيز أخنوش في صلب المواجهة، مستحضراً قرارات مجلس المنافسة بشأن ممارسات منافية لقواعد المنافسة داخل سوق المحروقات.
واعتبر أن شركات عاملة في القطاع راكمت أرباحاً ضخمة في وقت كان فيه المواطن المغربي يواجه موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار. وأضاف أن عدداً من الحكومات عبر العالم تدخلت لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار النفط، سواء بدعم الأسعار أو تخفيض الضرائب، بينما اختارت الحكومة المغربية، وفق قراءته، ترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع كلفة المحروقات وتداعياتها على النقل وأسعار المواد الأساسية.
كما هاجم بنعبد الله الصراع الذي اندلع بين مكونات الأغلبية الحكومية حول ملف «الفراقشية»، معتبراً أن تبادل الاتهامات خلال الحملة الانتخابية لا يمكنه إخفاء المسؤولية المشتركة لأحزاب ظلت تجتمع داخل حكومة واحدة وتدافع عن اختياراتها.
وفي المجال الاجتماعي، شكك زعيم حزب التقدم والاشتراكية في الخطاب الرسمي المتعلق بتعميم التغطية الصحية، قائلاً إن أرقاماً رسمية تشير إلى بقاء نحو 11 مليون مغربي خارج التغطية. واعتبر أن الواقع الذي تعيشه الأسر لا ينسجم مع الصورة التي تقدمها الحكومة عن حصيلتها الاجتماعية.
خطاب بنعبد الله في طنجة لم يكن مجرد مرافعة انتخابية لفائدة حزبه، بل محاولة لتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة تصويتية قادرة على تغيير موازين المشهد السياسي. وقد وضع الناخبين أمام مسؤولية مباشرة: إما ترجمة رفضهم للحصيلة الحكومية داخل صناديق الاقتراع، وإما ترك الطريق مفتوحاً أمام عودة الوجوه والأحزاب نفسها.
وبين اتهامات تضارب المصالح، وملف المحروقات، وغلاء الأسعار، واستعمال المال في الانتخابات، بدا أن حزب التقدم والاشتراكية اختار خوض المعركة تحت عنوان واحد: لا محاسبة حقيقية خارج صناديق الاقتراع، ولا معنى للغضب إذا لم يتحول إلى موقف انتخابي واضح.




