كانت العيون، مساء الأحد 13 شتنبر، تستقبل واحدة من أكبر محطات الحملة الانتخابية لحزب الاستقلال. ازدحمت القاعة بمناضلي الحزب وأنصاره، وارتفعت الشعارات، بينما كانت الأنظار تتجه نحو المنصة في انتظار الكلمة التي سيختار نزار بركة أن يوجهها من قلب الأقاليم الجنوبية.
لم يأتِ الأمين العام لحزب الاستقلال ليتحدث فقط عن المقاعد التي يسعى حزبه إلى الفوز بها يوم 23 شتنبر، ولم يجعل من التجمع مجرد مناسبة لتعداد الوعود الانتخابية. لقد اختار أن يبدأ من المستقبل، من الحكومة التي ستولد بعد الانتخابات، ومن المسؤولية التي ستجدها أمامها بمجرد دخولها إلى مكاتب الرباط.
في تلك اللحظة، وضع بركة المونديال والحكم الذاتي داخل جملة واحدة، لكنه لم يمنحهما الوزن نفسه. قال إن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد حكومة لتنظيم كأس العالم 2030، بل حكومة لتنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية.
كان يعرف أن العبارة ستلفت الانتباه. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الملاعب والقطارات والمطارات والمنشآت التي يستعد المغرب لإنجازها قبل المونديال، اختار بركة أن يذكّر بأن البلاد تنتظر أيضاً موعداً سياسياً قد يكون أعمق أثراً وأطول زمناً.
فكأس العالم، مهما بلغت أهميته، سيأتي وتُجرى مبارياته ثم ينتهي. ستغادر المنتخبات، ويعود المشجعون إلى بلدانهم، وتبقى المنشآت شاهدة على حدث رياضي كبير. أما الحكم الذاتي، في نظر بركة، فليس حدثاً عابراً، وإنما مرحلة جديدة يمكن أن تعيد رسم طريقة تدبير الأقاليم الجنوبية وموقعها داخل البناء المؤسساتي للمملكة.
ومن العيون تحديداً، اكتسبت كلماته دلالة إضافية. فهو لم يكن يتحدث عن منطقة بعيدة أو عن ملف يُناقش داخل القاعات المغلقة، بل كان يخاطب سكان المجال الذي سيكون في قلب هذا التحول.
كان يريد أن يقول لهم إن المرحلة المقبلة لن تُبنى بالخطابات الدبلوماسية وحدها، بل بالمشاريع والاستثمارات وفرص العمل والمؤسسات القادرة على تحويل الحكم الذاتي من مبادرة سياسية إلى ممارسة تنموية يومية.
لذلك انتقل في حديثه من السياسة إلى الاقتصاد، ومن ملف الوحدة الترابية إلى الأوراش التي تتحرك على أرض الجنوب. تحدث عن ميناء الداخلة الأطلسي، وعن الطاقات المتجددة، وعن أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي، وعن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي ساهم حزبه في صياغته.
لم تكن هذه المشاريع، في خطابه، مجرد طرق وموانئ واستثمارات متفرقة. قدمها باعتبارها أجزاء من صورة أكبر: جنوب مغربي يتحول إلى بوابة اقتصادية نحو إفريقيا، وإلى فضاء قادر على خلق الثروة وتدبير إمكاناته والمساهمة في القرارات التي تحدد مستقبله.
وفي الصفوف الأمامية، كان مولاي حمدي ولد الرشيد وباقي مرشحي حزب الاستقلال يتابعون خطاباً يحمل أكثر من رسالة. رسالة إلى الناخبين بأن الحزب يضع الأقاليم الجنوبية في مقدمة أولوياته، ورسالة إلى المنافسين بأن الاستقلال يريد جعل قضية الصحراء عنواناً مركزياً في المعركة الانتخابية، ورسالة إلى الحكومة التي ستتشكل لاحقاً بأن برنامجها لن يُقاس فقط بمدى تقدم أشغال الملاعب.
استحضر بركة كذلك تاريخ حزب الاستقلال في الدفاع عن الوحدة الترابية، مؤكداً أن وجود الحزب في العيون لا يبدأ عند اقتراب الانتخابات ولا ينتهي بعد فرز الأصوات.
قال إن الحزب لم يكن آلة انتخابية موسمية، وإنما ظل حاضراً إلى جانب سكان الجهة. وهي عبارة حاول من خلالها رسم مسافة بين حزبه وبين التنظيمات التي لا تتذكر بعض المناطق إلا خلال أيام الحملات.
لكن الحشود والشعارات لا تحسم وحدها صدقية هذا الالتزام. فالاختبار الحقيقي سيأتي بعد الانتخابات، حين تتراجع حرارة التجمعات ويعود المواطن إلى مشاغله اليومية، منتظراً من المنتخبين أن يحولوا الكلمات إلى ملفات ومشاريع وقرارات.
يوم 23 شتنبر، سيتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب، وسط تنافس 27 حزباً على 395 مقعداً. وبعد إعلان النتائج، ستبدأ الحسابات السياسية لتشكيل الأغلبية والحكومة الجديدة.
قد تختلف أسماء الوزراء وألوان التحالفات، لكن الملفات الثقيلة ستظل في انتظار من سيتولى المسؤولية: التشغيل، والقدرة الشرائية، والماء، والصحة، والتعليم، والاستعداد لمونديال 2030.
ومن العيون، أضاف نزار بركة ملفاً آخر إلى هذه القائمة، مقدماً إياه باعتباره عنوان المرحلة لا مجرد نقطة ضمن البرنامج.
وحين انتهى التجمع، بقيت العبارة التي أطلقها معلقة فوق صخب الحملة: المونديال موعد عالمي مهم، لكن الحكومة المقبلة، بحسب بركة، ستكون أمام امتحان أكبر؛ أن تنجح في تنظيم كرة القدم، من دون أن تنسى أن جزءاً من مستقبل المغرب السياسي يُكتب في صحرائه.




