في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وتزايد الاعتماد على القروض الاستهلاكية، عاد ملف المديونية المفرطة للأسر المغربية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد المقترح الذي تقدم به الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، والقاضي بإحداث آلية قانونية تسمح بإعادة جدولة ديون الأسر المتعثرة وإسقاط أو تخفيف الفوائد المترتبة عليها.
ويعكس هذا المقترح تحولا في طريقة التعاطي مع مديونية الأسر، إذ لم يعد ينظر إليها باعتبارها مجرد علاقة تعاقدية بين المقترض والمؤسسة المالية، بل كإشكال اقتصادي واجتماعي قد يؤثر بشكل مباشر على التماسك الأسري، ومستوى الاستهلاك، والاستقرار الاقتصادي.
ويرتكز المقترح على مبدأين أساسيين: إعادة جدولة الديون بما يتلاءم مع القدرة الحقيقية للأسر على السداد، وتخفيف أو إسقاط الفوائد التي تضاعف من قيمة الالتزامات المالية مع مرور الوقت، وهو نموذج يشبه آليات معالجة صعوبات المقاولات التي تعتمدها العديد من التشريعات الاقتصادية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لمثل هذه الآلية أن تساهم في الحد من حالات التعثر المالي، وتقليص اللجوء إلى الاقتراض غير المنظم، والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، وهو ما ينعكس إيجاباً على الطلب الداخلي الذي يعد أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي المغربي.
غير أن نجاح هذا التوجه يبقى رهيناً بإيجاد توازن بين حماية الأسر والحفاظ على استقرار القطاع البنكي. فالمؤسسات المالية تعتمد على الفوائد كمصدر أساسي للعائدات، وأي تعديل في منظومة القروض يستوجب إطاراً قانونياً وتنظيمياً واضحاً يحدد شروط الاستفادة، وآليات التعويض، وكيفية توزيع المخاطر بين مختلف الأطراف.
كما يبرز تحد آخر يتمثل في تحديد مفهوم “المديونية المفرطة”، ووضع معايير دقيقة تميز بين الأسر التي تعاني فعلاً من ظروف اقتصادية استثنائية، وتلك التي قد تستغل هذه الآلية للتهرب من التزاماتها المالية.
وتشير تجارب دولية، خاصة في بعض الدول الأوروبية، إلى وجود آليات لإعادة هيكلة ديون الأفراد والأسر المتعثرة تحت إشراف القضاء أو هيئات مستقلة، بما يضمن حماية المقترضين دون الإضرار بثقة المؤسسات المالية أو استقرار النظام الائتماني.
وفي حال اعتماد مثل هذا الإصلاح، فإنه قد يشكل خطوة جديدة في مسار تعزيز الدولة الاجتماعية بالمغرب، من خلال توفير آليات وقائية تحمي الأسر من الانهيار المالي، وتحد من الآثار الاجتماعية للتعثر، خاصة في ما يتعلق بالتعليم، والاستقرار النفسي، والحفاظ على التماسك الأسري.
ويبقى النقاش مفتوحاً حول الكيفية التي يمكن بها ترجمة هذا المقترح إلى سياسة عمومية متوازنة، تحقق العدالة الاجتماعية من جهة، وتحافظ على سلامة المنظومة المالية والائتمانية من جهة أخرى، بما يضمن استدامة التمويل ودعم النمو الاقتصادي.




