اختار مجلس الحكومة، في اجتماعه المنعقد الخميس 10 شتنبر 2026 برئاسة عزيز أخنوش، الدفع بعدد من المراسيم التي تمس ثلاثة قطاعات ذات وزن سياسي واجتماعي واقتصادي واضح: التعليم العالي، ودعم السكن، ومناطق التسريع الصناعي.
ولا تبدو طبيعة النصوص المصادق عليها منفصلة عن السياق السياسي الراهن، إذ تدخل البلاد مرحلة تزداد فيها حدة النقاش حول حصيلة العمل الحكومي، ومدى قدرة الأغلبية على تحويل القوانين والبرامج المعلنة إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطنون بأثرها في حياتهم اليومية.
وفي قطاع التعليم العالي، صادق المجلس على ثلاثة مشاريع مراسيم تندرج ضمن تطبيق القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي. وتشمل هذه النصوص تنظيم اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي، وتحديد اختصاصات المؤسسات الجامعية وأسلاك الدراسات والشهادات الوطنية، إلى جانب تنزيل عدد من مواد القانون الجديد.
وتكشف هذه المصادقات رغبة الحكومة في الانتقال من مرحلة وضع الإطار التشريعي إلى مرحلة التطبيق، في وقت تواجه فيه الجامعة المغربية تحديات ترتبط بجودة التكوين، وملاءمة الشهادات مع سوق الشغل، والحكامة، وتفاوت الإمكانات بين المؤسسات والجهات.
غير أن الرهان الحقيقي لن يكون في صدور المراسيم وحده، بل في قدرتها على إحداث تغيير داخل الجامعات، وتبسيط مسارات الطلبة، وتحسين البحث العلمي، وربط التكوين بالحاجيات الجديدة للاقتصاد الوطني.
وفي الملف الاجتماعي، عدّلت الحكومة المرسوم المنظم لأشكال إعانة الدولة لدعم السكن وكيفيات منحها لفائدة مقتني المساكن المخصصة للسكن الرئيسي. ويحمل هذا التعديل دلالة سياسية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها السكن في اهتمامات الأسر المغربية، ولا سيما لدى الشباب والطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.
ويبدو أن مراجعة الإطار التنظيمي للبرنامج تستهدف معالجة بعض الإشكالات التي ظهرت خلال التنفيذ وتوسيع فعاليته. إلا أن نجاح الدعم يظل مرتبطاً أيضاً بمدى توفر مساكن بأسعار مناسبة، وضبط السوق العقارية، وتسهيل الولوج إلى التمويل، حتى لا تتحول الإعانة العمومية إلى مجرد عنصر يواكب ارتفاع الأسعار.
أما في المجال الصناعي، فقد صادق المجلس على تعديل المرسوم المتعلق بمنطقة التسريع الصناعي للجرف، وإحداث منطقة جديدة تحمل اسم «بوقنادل 2». وتندرج هذه الخطوة ضمن سياسة استقطاب الاستثمارات وتوفير فضاءات صناعية مؤهلة ودعم تموقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج الدولية.
ويمثل توسيع خريطة المناطق الصناعية رسالة موجهة إلى المستثمرين بشأن استمرار الدولة في تطوير بنياتها الاقتصادية. لكن القيمة الحقيقية لهذه المناطق ستقاس بعدد فرص الشغل المستدامة التي ستوفرها، وحجم ارتباطها بالمقاولات المحلية، وقدرتها على جذب استثمارات ذات قيمة مضافة، وليس فقط بعدد المشاريع المعلن عنها.
كما صادق المجلس على مشروع مرسوم لتطبيق القانون المتعلق بحظر استحداث الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستعمالها وتدميرها، بما يعزز ملاءمة التشريع الوطني مع الالتزامات الدولية للمملكة.
واختتم المجلس أشغاله بالاطلاع على اتفاقية بين المغرب والنيجر بشأن نقل الأشخاص المحكوم عليهم، وعلى مشروع القانون الذي يوافق عليها، في خطوة تعكس استمرار التعاون القانوني والقضائي للمغرب مع شركائه الأفارقة.
وتكشف حصيلة هذا الاجتماع الحكومي عن محاولة الجمع بين أوراش اجتماعية تهم المواطن مباشرة، وإصلاحات مؤسساتية تخص الجامعة، وخيارات اقتصادية مرتبطة بالاستثمار والصناعة. غير أن التحدي السياسي الأكبر يبقى في سرعة التنفيذ ووضوح النتائج، لأن المرحلة المقبلة لن تُقيّم فيها الحكومة بعدد النصوص التي صادقت عليها، بقدر ما ستُحاسب على أثرها الفعلي في السكن والتعليم وفرص الشغل.




